الحرية الجسدية والجنسية، وبداية التغيير

كل اسبوعين تقريبا، نقرأ خبر عن إلقاء  القبض على شاب أو أكثر لميولهم الجنسية المثلية، تختلف القضية احيانا لتصبح إلقاء القبض على عابرة جنسيا أو اكثر، عادة ما تاتي التحريات بعد بلاغ من احد الاشخاص باشتباهه بشاب لديه مظهر” انثوي” أو يرتدي ملابس نسائية، مرات اخرى يتم الايقاع بالضحايا عن طريق انتحال بعض المخبرين والظباط لشخصيات مزيفة ذات ميول جنسية مثلية ، يستخدموا مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة لنصب الفخاخ عند اللقاء، التهمة المعتادة هى نشر الفسق والفجور والدعوة اليه وممارسة الجنس مقابل اجر مادي دون تمييز، ادلة الادانة المعتادة: واقيات ذكرية وملابس نسائية، تاريخ المحادثات والصور باجهزة الكمبيوتر والمحمول الخاصة بمن يُلقى القبض علىهم.

ما سبق هو ملخص ظروف وأوضاع الغالبية العظمى  للقضايا التي استطعنا رصدها منذ نهاية عام 2013  وإلى نهاية عام 2015، تأتى من فترة لأخرى قضية ذات طابع مختلف مثل قضية حفل الزفاف – تم سجن ثمانية شباب لمدة سنة على اثرها، جُرمهم الوحيد هو ظهورهم في مقطع فيديو يتبادل فيه اثنين منهم القبل و الخواتم-، وقضية حمام باب البحر برمسيس – قامت المذيعة منى عراقي بدور المخبر وابلغت الشرطة عن حمام تركي بأنه مُلتقى للمثليين، تم إلقاء القبض على 26 شخص بعد المداهمة، تعرض ثلاثة منهم إلى الاغتصاب اثناء فترة الحبس، تم تبرئة كل المتهمين لاحقاً امام القضاء، وحأول احد الضايا الانتحار مُشعلاً النار في جسده اثر اكتئاب ناتج عن ما تعرض اليه من خزي ووصم مجتمعي-، تترأوح الاحكام الأولية في القضايا المرصودة بين السجن لمدة عام  إلى ثلاثة أعوام، في بعض القضايا بلغت الاحكام ثمانية واثنة عشر عاما لثلاث من العابرات جنسياً.

إذا تحدثنا –بلغة الارقام- كمبادرة معنية برصد وتسجيل قضايا العنف والتجريم تجاه مختلفي الميول الجنسية والجندرية، فعدد ما استطعنا رصده من قضايا من خلال الجرائد وشبكات اتصالاتنا هو 59 قضية تجريم و12 جريمة عنف تجاه مختلفي الميول الجنسية والجندرية- تحديداً المثليين و العابرات جنسياً-، عدد المثليين في تلك القضايا 125 فرد، وعدد العابرات جنسيا 47 فرد، اكثر من 50% من تلك القضايا تم استخدام وسائل لتتبع الافراد على شبكات التواصل الاجتماعي وموقع المواعدة للايقاع بهم وإلقاء القبض عليهم.

منذ إنقلاب 3 يولويو 2013، وتحديداً منذ شهر اكتوبر لنفس العام، ونحن نواجه الوضع السابق ذكره بمصر، الأمر يزداد سوءا ولا يلوح أي أمل في الأفق لتحسنه في ظل تدهور أوضاع حقوق الانسان بشكل عام، فعنوان إلقاء القبض على مثلي أو عابرة جنسياً مازال يحقق صدى قوي يستخدمه النظام العسكري الشمولي الديكتاتوري الحاكم حاليا باذرعه المختلفة – امنية واعلامية- لإحداث جلبه من حين لأخر، تلك الجلبة تُستخدم كوسيلة الهاء تارة، وتارة أخرى تُستخدم لأظهار ان السلطة الحالية تسعى وقادرة على الحفاظ على “قيم المجتمع” وهى الراعية الأولى لأخلاقه المزعومة، تلك القيم والاخلاق النابعة من وجهة نظر وفكر ذكوري أبوي بحت، يضطهد كل من هو مختلف ويسعى لسحق أي فئة تغير من ذلك المنظور البالي بمجتمعاتنا الشرقية.

في مصر وكما يعلم البعض، يتم تجريم مختلفي الميول الجنسية والجندرية باستخدام قانون مكافحة الفسق والفجور أو كما يُعرف باسم قانون الدعارة، وهو ما يجعل القضية هنا أكثر تعقيداً من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا الأخرى؛ فبالمقارنة، الوضع في مصر افضل من بعض البلدان مثل السعودية وايران والسودان، حيث تُطبق الشريعة الاسلامية كقانون عام للدولة وقد تصل عقوبة المثلية الجنسية إلى الاعدام، لكنه في نفس الوقت اسوء من بلدان اخرى مثل المغرب وتونس، اللتان يوجد بهما نص قانوني صريح يُجرم المثلية الجنسية، وهو ما يجعل الطريق لتصحيح الأوضاع هناك أقصر نسبياً وأكثر وضوحاً؛ اما بمصر يأتي التعقيد من تقاطع قضية اختلاف الميول الجنسية والجندرية  مع قضية العاملات بالجنس التجاري، وهى قضية شائكة بالنسبة لمجتمعاتنا بالطبع، هذا التعقيد يدفع بالصراع الخاص بمختلفي الميول الجنسية والجندرية إلى أن يتقاطع مع الصراع النسوى بمفهومه الاوسع، فلان المثليين والعابرات جنسياً يفعلون فعل النساء- كما يرى المجتمع والقانون- فقد تم وضعهم كلهم في سلة واحدة، وجعل قانون واحد يحاكمهم كلهم على شيء بعينه؛ الا وهو الحرية الجسدية والجنسية للفرد، تلك الحرية التي وضع المجتمع الذكوري قيود شديدة علىها، ورسم لكل فرد من المجتمع شكل وطريقة معينة لممارستها ولا يقبل بتغييرها ابداً بل ويحرص على ديمومتها، فالمجتمع يسمح للرجل أن يكون له صفات شكلية محددة لا تحوير أو تغيير فيها، وان يكون الفاعل متعدد العلاقات الجنسية- بلا لوم- والطرف المستفيد من الجنس التجاري، فغالبا ما يتم توقيع غرامة مالية على الرجال في قضايا الجنس التجاري ولا يسجنوا، ذلك بخلاف المفعول بهم وبهن من المثليين والعابرات جنسياً والنساء، فيتم اصطيادهم وتتبعهم وسجنهم لفترات طويلة وصلت ال 12 عام كما ذكرت من قبل، بل إن الطب الشرعي يعتمد الكشوف الشرجية على المثليين كدليل إدانة لهم، مما يرسخ ان التجريم هنا للمفعول به لا للفاعل!

تلك القيود التي يفرضها المجتمع والدولة، تعزز من مفهوم السيطرة الشاملة على الفرد وكيانه، فالسيطرة على حرية الفرد الجنسية والجسدية هى سيطرة على اكثر حقوق الفرد خصوصية، تلغي معها اي قدرة لذلك الفرد على المطالبة بما هو اكثر من ذلك من حريات عامة وحقوق اجتماعية، لذا فان الدولة والمجتمع يسعون لوأد أي حراك غرضه حلحلة تلك القيود وكسرها، فمع كسرها ستتغير مفاهيم عدة يتم استخدامها لفرض سياساتهم وسيطرتهم؛ نعم يوجد حقوق اخرى منتهكة، ولكن تغيير النظرة السائدة للمطالبة بالحق في الحرية الجسدية والجنسية على انها رفاهية -لا مجال لها الان- انما هو أمر حتمي، والسعي لأقرار حق الفرد في جسده وفي اختياراته الخاصة دون ان يواجه نبذ او قمع نتيجة لذلك هو بداية الطريق الحقيقي لاحداث تغيير في معتقدات وثوابت مجتمع متهالكة اثبتت فشلها على مدار الاعوام .

لهذا يجب ان تسير مساعى الناشطين والمجموعات الحقوقية في ذلك الاتجاه، فرفض قضية الحرية الجسدية والجنسية بحجة انها ستضعف من المسار العام للحراك الحقوقي الحالي ماهو الا احدى وسائل الافراغ التدريجي لهذا الحراك من مضمونه، سيصبح كل حق بالتبعية موضع تساؤل عن اهميته المرحلية، وهل يجب المطالبة به الآن ام انه الأخر سيضعف من الحراك الحقوقي، لنجد في النهاية انه اصبح حراك اجوف، له منابر تطالب بشعارات عامة لا معنى لها ولا تمس مجموع الفئات المضطهدة داخل المجتمع.

ان ما تسعى اليه المبادرات التي تهتم بوضع مختلفي الميول الجنسية والجندرية والمبادرات نسوية ليس بالأمر الرفاهي، فهى محاولات وخطوات لوضع واستكمال ادبيات وخطوات حراك سينتج عنه يوماً ما تغيير الوضع الراهن –للأفضل كما نأمل-، حتى وإن كان المجال العام مُكبل حاليا بعد الفشل المرحلي لثورة ال خامس وعشرين من يناير ونجاح الثورة المضادة بعد الانقلاب العسكري بيوليو 2013، فيجب ان يستمر السعي لاحداث تغيير، قد لا نستطيع ان نحشد المظاهرات وننظم الفعاليات العلنية لمطالبنا، ولكن نستطيع ان نرصد ونسجل الوضع والانتهاكات بكل دقة ممكنة و الكتابة عنه ونشرها، نستطيع طرح الافكار والنظريات والسعي لمناقشتها في كل المنصات المتاحة، فالإثارة الدائمة للقضية وطرح موضوع الصراع يؤدي الى ترسيخ حتمية تغييره.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized, مثلية, مجتمع, مختلفي توجهات جنسية و جندرية, مصر, هموفوبيا, شمال أفريقيا, شرق أوسط and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s