الإشتباه بالمثلية جريمة – فقط في مصر

teaser-eg_0

في أوائل شهر سبتمبر، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو قصير لمجموعة من الشباب يحتفلون في مركب وسط النيل، تبادلوا خلالها القُبل والعناق؛ مبتهجين بمناسبة ارتباط شابين منهم، حيث ألبس كل شاب للآخر خاتماً.

حتى هنا-لا توجد أي مشكلة، فهذا الاحتفال بالارتباط لم يوقع أي ضرر على أي شخص متقبل أو رافض لمثلية الميول الجنسية، وهنا تنتهي علاقة أي شخص بهذا الحدث. فليدعوا لهم بالسعادة من يدعو وليدعو لهم بالشقاء من يدعو.

إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وانتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي مثيراً موجه من السخط داخل المجتمع المصري “الوسطي المتدين الجميل” . فهاجمهم من هاجم ولعنهم من لعن وتوعدهم من توعد، ووصل الأمر إلى الإعلام، من خلال إحدى البرامج التي تتخذ الصراعات وإثارة الحقد والضغائن والكره بين الناس حرفه.و صال و جال مقدم هذا البرنامج ” تامر أمين ” معترضاً تارة على محتوي الفيديو، وداعياً تارة أخري إلى مواجهة “تلك الظاهرة” حتى لا نصبح مجتمع “خواجات” ، وكان خطابه موجهاً لإثارة الكراهية والحقد والتحريض على العنف تجاه فئة مضطهده من الأصل داخل المجتمع، ضاربا بأي أسس أخلاقية أو مهنية يجب أن يتبعها أي مذيع.

أشتعل الأمر أكثر، و كتبت الجرائد عن تلك الواقعة ، و أفردت لها حيز من الإدانة و التشهير و السب ، و أتفقوا جمعياً في طريقة وصف الفيديو ،بأنه مقطع لمجموعة من الشباب الذكور، يقيمون حفلاً بأحد القوارب النيلية، ويرتكبون أفعالاً شاذة مُخلة على نحو من شأنه أن يؤذي الهيئة الاجتماعية ويخدش الحياء العام ويشكل جرائم جنائية – و لا تعليق على هذه الترهات-.

و كما اعتدنا من وزارة الداخلية ، حيث تركت مهامها في الحماية و إحلال الأمن و الأمان ،و توجهت إلى البلطجة و إرهاب المواطنين و الإهتمام بما يحدث خلف الأبواب المغلقة . فقامت بأخطار النيابة العامة بأنه يوجد مقطع فيديو “خطير “، وتحول هذا الفيديو إلى مشكلة أمن قومي من لا شيء.

تحركت النيابة العامة سريعاً على غير العادة، للقبض على هؤلاء الشباب الذين ظهروا بالفيديو بعدما قامت بتفريغ محتوياته، حتى توصلت التحقيقات إلى هوية تسعة أفراد من بين ستة عشر فرداً ممن ظهروا بالفيديو، واُلقي القبض على ثمانية منهم.

وبتاريخ السادس من سبتمبر، أمر المستشار هشام بركات، النائب العام، بحبس المتهمين لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق. وتوالت بعدها الإجراءات القضائية بسرعة مذهلة، لا تسير بها أي قضية في نظام القضاء المصري المعروف ببطئه الشديد إلا في تلك الأنواع من القضايا، حيث تم تحويلهم الى الطب الشرعي لإجراء ” فحوص” لإثبات هوياتهم الجنسية من خلال “الفحوص الشرجية” المهينة والمنتهكة لجسد وإنسانية من يتم تطبيقها عليه.

العجيب أن نتيجة هذه الفحوص كانت سلبية ، أي أنها لم تثبت أن أي من المتهمين الثمانية “مثلي ” -طبقاً للمعايير القضائية المصرية- ،و الذي يجعل من حبسهم على ذمة القضية محض هراء ، إلا أن قاضي المعارضات بتاريخ التاسع من سبتمبر قضي بتجديد حبس المتهمين لمدة خمسة عشر يوما ، و حددت نيابة قصر النيل لاحقاً معاد أول جلسة لمحاكمتهم في تاريخ الثالث و العشرين من سبتمبر ، أجلت بعدها محكمة جنح قصر النيل جلسة المتهمين للسابع و العشرون من شهر سبتمبر المقبل؛ لعدم حضور المتهمين وعدم الاختصاص الرقمي للقضية ، تلا ذلك التأجيل تأجيل آخر لجلسة الحادي عشر من أكتوبر لتقديم المذكرات ، و في تلك الجلسة ، تم تحديد يوم الأول من نوفمبر للحكم في القضية.

في الأول من نوفمبر، قضت محكمة جنح قصر النيل بحبس الثمانية متهمين لمدة ثلاثة سنوات مع الشغل ومراقبتهم مدة مماثلة.

ومن حيثيات الحكم:

“وأوضحت الحيثيات أن الثابت للمحكمة أن الفعل المنسوب للمتهمين أنهم قد أقاموا حفلاً على متن إحدى العائمات النيلية، وأن المتهمين الأول والثاني قد تبادلا العناق والقبلات خلالها وبعد ذلك قام الأول بوضع خاتم في إصبع الثاني وسط ابتهالات من الحاضرين على أنغام إحدى الأغاني التي تقدح أذان المدعوين في مناسبات الزواج، فإن مثل ذلك الفعل لا يوفر في حقهم جريمة الاعتياد على ممارسة الفجور المنسوبة إليهم. كما أضافت أن تقرير الطب الشرعي قد خلت من ثمة مظاهر تشير إلى سبق إتيان المتهمين لواطاً بإيلاج من الخلف في زمن قديم أو حديث أو أية مظاهر تشير إلى كون أي منهم متكرر الاستعمال، من ثم فإن المحكمة ترى أن الاتهامين المسندين إلى المتهمين قد أحاطت بها ومن جوانبهما ظلالا كثيفة من الشكوك والريب بما لا تطمئن معه المحكمة إلى صحتها وتقضى ببراءتهم منهما على نحو ما سيرد بالمنطوق.”

ثلاث سنوات للإشتباه بأنهم مثليين و لم يستطيعوا إثبات ذلك، فماذا إن استطاعوا !!
هل أصبح الإشتباه بكونك مثلياً جريمة عقوبتها السجن لمدة ثلاث سنوات؟ إنها عقوبة لا هدف لها إلا التنكيل بتلك الأقلية و إرضاء الرأي العام، فبأي مجتمع و بأي وطن نعيش !!

سجن الثمانية أفراد هؤلاء لمجرد ظهورهم في فيديو على شبكة التواصل الاجتماعي لا يعبر إلا عن هشاشة القضاء المصري والذي أصبحنا لا نعرف له أي مصادر تشريعية؛ ضاربا بالقوانين والمواد الدستورية عرض الحائط، فسلسلة المحاكمات والإعتقالات الجائرة والممنهجة لقمع كل من يطالب بحقه أو يحاول ممارسته قد تعدت كونها مؤشرات لإنهيار مفاهيم حقوق الإنسان في مصر. بالإضافة إلى الوضع السياسي الكارثي المستمر في التدهور، فالسلطة المصرية بكافة أجهزتها قد أثبتت فشلها في إدارة البلاد، و لذا فهي تقوم بممارسة القمع على الجميع، بسبب أو بدون ، سواء تحججت بمعاذير أخلاقية أم لا.
فمن جانبنا- و بالرغم من توقعنا لتلك العقوبة الجائرة أسوة بالقضايا السابقة -و التي- قد أظهر القضاء فيها عدم مهنتيه و انحيازه للأحكام العرفية، لا للقوانين و المواد الدستورية؛ فنحن نرفض الاستسلام للأمر الواقع أو\و التكيف معه، و لن نرضى بهذا الجور و الظلم و الذي سيستمر ما دمنا ندفن رؤوسنا في الثرى.

كتب المقال :

إبراهيم عبداللا

للتواصل : ibrahim.abdella@riseup.net

Advertisements
This entry was posted in مثلية, مجتمع, مختلفي توجهات جنسية و جندرية, مصر, هموفوبيا, شمال أفريقيا, شرق أوسط. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s