السياسة و مختلفو التوجهات الجنسية و الجندرية

تتبارى الدَولة المصرية مع العديد من الدُول المنتهِكة لحقوق الإنسان و القامعة للحريات ، مستعرضةً أشد وسائل العنف و الأحكام الجائرة و القاسية لتكميم الأفواه و قتل أي بادرة تدعو إلى العدالة الاجتماعية أو إحقاق الحق؛ فتقوم بالسجن و التعذيب و الملاحقة (وقد يصل هذا إلى حد القتل) للجميع-بلا إستثناء- ما إن ظهرت عليهم أي بودِارٍ أو محاولات للمقاومة أو التعبير عن الرأي.
و بالنسبة لمختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية،فقد وصل الأمر حتى إلى التعدي على أشخاص في عُقر دارهم و القبض و الحكم عليهم بدون أي تهمة قانونية أو أسانيد دستورية و مداولة تلك الأحكام في وقت قياسي غير مسبوق- هذا أيضا-بالإضافة إلى التشهير بهم و ذِكر أسمائهم كاملة على الجرائد و القنوات التلفزيونية ، و تشويههم بكافة الصور، و تحريض المجتمع عليهم.
لذا،فلن يبقى دور الأفراد و المنظمات و الحركات و الجمعيات الناشطة في حقوق مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية منحصراً في دوري التوعية و السعي وراء المقبوض عليهم في المحاكم و توكيل محامين ليدافعوا عن قضيتهم في محاكم تسير بالأحكام العرفية، لا القانون.ومن هنا، فإنه يتحتم على تلك المنظمات أن يكون لها طابع سياسي و حقوقي أكثر بروزاً و ظهوراً، وهذا لا يعني بالضرورة أن تكون مسيسة منتمية لحزب ما، و لكن الوعي السياسي و ربط القضية الكويرية بالوضع السياسي الراهن هو أقرب ما يكون للواقعية التي قد تصنع جسراً يختصر المسافة بين عامة الناس و مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية ، بصفتهم فصيل مجتمعي يعاني من المشاكل و الضغوط الداخلية ذاتها التي يعاني منها المجتمع بجميع فئاته و أطيافه المقهورة.

هل تنفصل قضايا الأقليات عن بعضها البعض؟—

قضايا الأقليات قضايا متصلة و متلاحمة حينما يكون “المضطَهِد\القامع” واحد. و بشكل عام- فإن قضايا الأقليات تعتبر مشاكل فئوية في دُول العالم الثالث،و لكن كلمة أقلية لا تعني بالضرورة أقلية في العدد،لكن تلك الأقلية تعد كذلك بسبب تدهور حقوقها، وبسبب سيطرة فئة أخرى على المناصب السيادية في تلك الدَولة أو المنطقة مما أدى إلى تدهور حقوق و أوضاع تلك المجموعة(وإن كانت أكثر عدداً،مثل النساء في المجتمع) و التعدي عليها عمداً باستخدام أساليب مختلفة. و قد تندرج تلك الانتهاكات تحت مجموعة من المعاذير؛ فقد تكون  إثنية أو عرقية ، أو بسبب النوع الاجتماعي ،أو لأسباب عقائدية ،أو طبقية اجتماعية -من أي نوع، أو توجهات جنسية و انتماءات جندرية، الخ.
أمثلة لذلك، الاضطهاد التاريخي الذي قد مارسه و ما زال يمارسه بجدارة الذكر الأبيض على دُول و أعراق-يراها أولى بالاستعمار و القمع لأسباب إثنية و\أو دينية منذ الأزل. حتى أصبحت تلك الدُول في أوهن عصورها،لا تسعى إلا لسبل المعيشة الأساسية بعدما تم استنزافها بكل الطرق من قِبل المُستعمر حتى  تم إدراجها تحت مسميات عنصرية أيضاً مثل :دُول العالم الثالث أو الأدنى ،أو دُول الجنوب العالمي.

وقد تحور الاستعمار-في عصرنا هذا- إلى صورة أكثر حداثة و تطوراً —في هيئة نظام اقتصادي عالمي يحرص على بقاء تلك الدُول الواهنة في المنزلة التي هي فيها. و الدور الذي يلعبه النظام السياسي العالمي —و الذي قد صنعته الدُول الإمبريالية الكبرى في إبقاء تلك الدُول النامية على أوضاعها السياسية المضطربة لتبقى تحت السيطرة و الوصاية الدُولية -و التي أصحاب القرار فيها هم ذاتهم الذين يساهمون -الآن- بشكل رئيسي في الحال المتردي التي آلت إليه تلك الدُول، حتى بعد إنتهاء الاستعمار إلى وصول فاشيات عسكرية و دينية إلى السلطة. و بسبب الاستعمار و الاحتلال فقد تكونت في بعض الدُول جبهات مقاومة ذات هويّات متعددة تتناسب مع أيديولوجية تلك الفتره و المناخ المتاح لتولد أيديولوجية محركة للجماهير، مثل؛جنوب أفريقيا، الجزائر، مصر،ليبيا، السودان و غيرها من دُول القرن الأفريقي – سيان في قارة آسيا و قارات أخرى و التي قد دعت فيها المقاومة لتوحيد الصفوف و الأهداف مهما كانت التباينات الدينية و الإثنية بتلك المناطق.

هل فصل قضية مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية عن قضايا الأقليات في البلد الواحد في مصلحة القضية أم ضدها، ولماذا؟—
أ-تأثير الاستعمار الغربي:

تحدث كاتب من أوغندا* عن تأثير الفكر الاستعماري على اضطهاد مختلفي الميول الجنسية و الجندرية في بلاده —واصفا الهموفوبيا بأنها “موروث استعماري بحت”. كما ضرب بعض الأمثلة  عن تاريخ بلاده قبل الاستعمار، و تأثير قائمة قوانين العقوبات الأوروبية  على تشريعات و قوانين الدستور الأوغندي،و الذي قد تضمن تجريم المثلية ضمن بنوده.

كما ذكر أن حدّ “ اللواط” ما كان ليصبح له وجود حتى أتى الاستعمار و ما كان الكتاب المقدس ليصبح المشرع في دَولة لم تدن بهذا الدين  من قبل حتى ظهوره الذي كان هدفه الأساسي هو استنزاف  ثروات و حضارة و ثقافة تلك الشعوب. كما وضح أشكال و عواقب العنصرية التي قد مارسها الاستعمار على القبائل الأفريقية محاولا “تبييض” أو محو ثقافة  تلك القبائل و استبدالها بنماذج لاهوتيه مسيحية .
و تحدث أيضا عن دور الاستعمار في خلق توترات إثنية تسببت في إنفصال القبائل في روندا من قبل المستعمر الألماني .و مازال تأثير بعض المبشرين و بعض الحملات التبشيرية و التي قد قدمت عبر الولايات المتحدة، مستغلة فقر و حاجة القبائل تلك من بعد الحروب و الصراعات التي قد صنعها الإستعمار قِبلا  لتفرض سيطرتها الثقافية و الفكرية و الدينية عليها .

و ما هو مثير للسخرية-هو إتهام تلك البلدان الأفريقية للغرب بتصدير أفكار “منافية للعرف و الأخلاق” ،كما  تم إتهامها بأنها قد ساعدت على تشجيع ظواهر “غير معهودة” على المجتمعات الأفريقية،مستدلة بظهور تلك الفئات الشاذة من مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية. كما تقوم تلك الدُول الغربية بفرض عقوبات على الدُول التي تضطهد مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية و توفر الدعم المادي و المعنوي لعديد من منظمات حقوق الإنسان و الأفراد الناشطين في هذا المجال. مما حوّل ثقافة رفض  مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية إلى صراع استعمار الفكر الغربي للرواسخ الفكرية الأفريقية.

أيضا-فالأمر سيان  لدَولة مثل الهند**. حيث لم تعاني الهند من اضطهادات ضد مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية حتى قدوم الاستعمار الإنجليزي بالشكل الذي هي عليه منذ قدومه— مغيراً الكثير من المعايير في طريقة النظر إليهم. و ذلك من خلال وضع قوانين تدين الممارسات المثلية في القرن التاسع عشر الميلادي تحت قسم 377 من قانون العقوبات الهندي و الذي يعاقب على أي ممارسات جنسية”مخالفة للطبيعة” وفقا للقانون المتأثر بالفكر الاستعماري البريطاني آنذاك. و ما زال الصراع قائما-حتى هذه اللحظة- لشطب هذا البند الذي  ما ظهر إلا حصيلة هذا الموروث الاستعماري .

ب-الصراع الكويري السياسي في منطقة الشرق الأوسط : القوس

و على صعيد آخر ، فهناك محاولات من العديد من منظمات مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية في منطقة الشرق الأوسط، ذات الفكر الكويري الحقوقي و التي تنتمي لمدارس فكرية وأيديولوجية مختلفة تبعاً للمناطق التي هي فيها، متبنيةً القضية الكويرية و مجموعة من الأمور و المسائل التي تخص المجتمع الكويري محلياً ، و دُولياً. و منها من يقوم بدراسة تأثير الاستعمار- مثلا- على المجتمع الكويري في بلد ما، خاصة و إن كان هذا الاستعمار مازال قائما. و كيفية استغلال المحتل أو المستعمر لقضايا جدلية مثل قضية مختلفي الميول الجنسية و الجندرية في منطقة ما للترويج للفكر الشمولي الاستعماري و التغطية على جرائم الحرب المتكررة و المرتكبة  ضد الشعب الذي يحتله.***

جمعية القوس، هي مجموعة حقوقية خاصة بالكويريين الفلسطينيين، ذات طابع سياسي و فكر يرفض براثم الاحتلال و يقاومه، و يكشف ألاعيبه السياسية في التغطية على جرائمه تجاه الشعب الفلسطيني من خلال استعطاف المجتمع الدُولي مستخدماً قضايا مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية كذريعة ،و مُحاولا ضمّ القضية الكويرية الفلسطينية لجانبه . و استغلاله لبعض المثليين للقيام بأعمال جاسوسية؛ فيقوم بتهديدهم بالوشاية عن ميولهم الجنسية إلى عائلاتهم ، و من خلال هذا يقوم الاحتلال بتجنيدهم لصالحه.

سنتحدث عن الدور السياسي القوس و حركات أخرى، من ضمنها حركة كويريوون فلسطينيون لمقاطعة إسرائيل و سحب الإستثمارات منها و فرض العقوبات عليها(PQBDS)**** .

  تم بدء تلك المبادرة\الحركة سنة ٢٠١٢ ، حيث قام ناشطون فلسطينيون كويريون بالدعوة إلى هذه الحركة لمحاربة استغلال الحكومة الإسرائيلية لوضع مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية في فلسطين المحتله، لإلهاء الرأي العام  الدُولي و تضليله زاعمة دعمها للحقوق المدنية للمثليين من خلال تعزيز النشاط السياحي في تل أبيب و استخدام وسائل الإعلام لتعتيم الصورة على جرائمها من تطهير عرقي، و تهجير و اضطهاد ممنهج لمن لا ينتمون للدَولة الصهيونية اللإثنية الدينية، مع العلم أن الدَولة الإسرائيلية هي من أكثر الدُول خرقا لقرارات الأمم المتحدة.
و قد تحولت هذه الدعوة إلى حركة عالمية، كما لاقت الكثير من الإقبال و الدعم من دُول مختلفة حول العالم.

ربما نحن في حاجة لوجود كيان حقيقي و قوي يمثل مختلفي التوجهات الجنسية و الجندرية  في مصر ذا طابع سياسي غير موجه، و متابع لكافة الأحداث  الجارية التي تحدث في مصر.
و قد يخلق هذا قناة حوار حقيقية بيننا وبين كافة أطياف الشعب المصري و التي ستكون العامل الرئيسي في خلق بيئة سوية يُحترم فيها الإنسان، بغض النظر عن الفروق و الإختلافات،-و إن طال الزمن لتحقيق ذلك. وسنحاول في المقالات القادمة توضيح دور التفاعل الحقوقي الكويري ذا الطابع السياسي مع المجتمع، و أهمية إبراز دور الكويريين الحقوقيين في التغيير و الذي سيصنع فروقاً في الطريقة التي يتناول بها المجتمع قضاياهم.

المقالة بواسطة :

داليا الفرغل، عضو مؤسس و منسق في

Solidarity with Egypt LGBT

المصادر:
*http://thinkafricapress.com/gender/colonial-legacies-africa-homophobia-finding-narrative-works-african-lgbt-movements-val-kalende
**http://en.wikipedia.org/wiki/LGBT_history_of_India
***
Rethinking Homonationalism
JASBIR PUAR
****http://www.pqbds.com/about

Advertisements
This entry was posted in مثلية, مصر, هموفوبيا, ترانسفوبيا, شمال أفريقيا, شرق أوسط and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s